كيف أصبحت أخاف من سلطة بشرٍ لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا،
ولا أرتجف من أمر الله الذي خلقني وسخّر لي كل شيء؟
كيف صار الخوف من القانون أقوى من الخشية من الرحمن؟
أجلس مع نفسي وأعيد المشهد في ذهني كأنني أراه الآن:
أنا أقف بسيارتي، أرى اللوحة، أتراجع سريعًا،
ثم بعد قليل أجلس إلى مائدتي،
أشتري ما لا أحتاجه، وأأكل فوق حاجتي، وأقول ببرود: "الحمد لله رزقني الله."
هل هذا هو الشكر؟
هل هكذا يكون الامتثال؟
أأستحي من الشرطي ولا أستحي من الله؟
اللوحة المعدنية تأمرني بأمرٍ دنيويٍّ لا يتجاوز المكان،
وأنا أنصاع لها بلا تردد.
أما كلام الله، الذي لو تلاه على جبلٍ لتصدّع من خشية الله،
فيمرّ عليّ كأنني أقرأه من جدارٍ باهتٍ لا حياة فيه.
صدمتني هذه الحقيقة...
ليست صدمة عقلٍ، بل وجع قلبٍ أدرك فجأة مدى الغفلة التي تسكنه.
أدركت أن القضية ليست في “الإسراف” وحده،
بل في أنني فقدت الإحساس بعظمة من ينهاني عنه.
"أحياناً نحتاج نوقف مع أنفسنا وقفة صريحة.. بعيداً عن الشعارات والمثالية. و نسألها في حديث داخلي سؤالاً موجعاً "هل نخشى دفع مخالفة مرورية أكثر مما نخشى من عدم تنفيذ أمر'الخالق'؟...
و أي أمر ..أمر فيه مصلحتنا...لا تسرفوا
حوار النفس اللوامة
------------------
يا الله…
شلون وصلنا لهالدرجة؟ شلون صارت لوحة معدنية، كلمة من بشر، تهزّنا أكثر من كلام الله؟ أنا مو قادر أستوعب…
كل يوم أقرأ القرآن، أحفظ آيات، أسمع خطب…
لكن أول اختبار بسيط،
فشلت فيه… بدون تردد… بدون تفكير.
أخاف من مخالفة مرورية يمكن أدفعها بمال،
ولا أرتجف من مخالفة رب العالمين اللي بيده نفسي،
أخاف من شرطي غائب،
ولا أستحي من الله الحاضر في كل لحظة.
شلون؟
شلون أقنع نفسي إنّي مؤمن وأنا ما أرتجف إذا سمعت “لا تُسرفوا”؟
ليش الجملة اللي على لوحة تسوى عندي أكثر من آية نازلة من السماء
"مكمن الرجفة التي أشكو فُقدانها..ليتها وقفت هنا و حسب
لا ... انها ما اكتشفته و آنا استرسل في الحسرة
وجعي الحقيقي ليس في أنني قرأتُ {وَلَا تُسْرِفُوا} ثم مضيتُ في إسرافي غير عابئ، فالحساب على الفعل أهون من الحساب على 'هيبة الله' في قلبي.
الرجفة التي كان يجب أن تزلزل كياني غابت
غابت لأنني -في زحمة غفلتي- لم ألتفت أصلاً للجزء الأعظم من الآية.. ذلك الشطر الذي يقطع الأنفاس:
{إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}
لقد تعاملتُ مع (لا تسرفوا) كأنها نصيحة عابرة، أو توجيه مالي، أو مجرد 'أمر أملك ثمن مخالفته..
لكنني لم أدرك أنني بهذه اللقمة الزائدة، أو ذلك الشراء العبثي، كنتُ أقتحم حمى 'عدم المحبة'.
كيف لم أرتجف وأنا أعلم أنني بفعلي هذا دخلت في دائرة المسرفين الذين لا يحبهم الله ؟
"إن 'الرجفة الحقيقية' التي كان حرياً بها أن توقظني من سباتي، هي ذهولي عن تأمل فداحة الثمن؛
ففي غمرة غفلتي، لم أكن أدرك أنني بكل فعلٍ صغيرٍ عابث، أقامر بمحبة ملك الملوك، وأضحي برضا من بيده ملكوت كل شيء، لأجل تفاهاتٍ زائلة لا تملك لي نفعاً،
بل
قد تجلب عليّ ضراً.
كيف هان عليّ أن أفرّط في محبة الله وأنا أتلو وعيده الذي يبدو جلياً كالشمس:
{إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}؟
ومع ذلك، أمرُّ عليه وكأن لا وعيد يُخشى، ولا نهي يُتقى!
كيف انحدرتُ لأقايض ودّ ملك الملوك بلذاتٍ فانية،
وكأنني لم أدرك بعد أن ضريبة الإسراف ليست مالاً يُفقد،
بل
حبٌّ إلهيٌّ يُحجب."
"إنه الاستغراق الموحش في الإسراف؛
ذلك الغرق الذي يجعلك تستمرئ ترف العيش وأنت تدرك يقيناً أنك تفعل ما {لَا يُحِبُّهُ} الله. ومع ذلك..
لم يهزّني وجلُ فقدان هذه المحبة العظيمة التي هي أصل حياتي ومنتهى أملي،
كما
يهزّني ويقضّ مضجعي خشيةُ فقدان رضا مسؤولٍ أو متنفذٍ في دنيا زائلة، لا يملك لنفسه ولا لي نفعاً و لا ضرا
إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ
لَــ
"" كَنُودٌ ""
( جاحد للنعم )
ينسى نعم ربه.
الذي يرى النعمة ولا يرى المنعم